فصل: مسألة السلام على النبي عليه السلام:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة تغطية الرجل لحيته في الصلاة:

في تغطية الرجل لحيته في الصلاة وسئل مالك عن الرجل يصلي فيغطي لحيته بثوبه، قال ذلك مكروه وشدده لحديث سالم أنه كان يجبذ الثوب جبذا شديدا.
قال محمد بن رشد: حديث سالم بن عبد الله هو الحديث الذي رواه عن عبد الرحمن بن المجبر أنه كان يرى سالم بن عبد الله إذا رأى الإنسان يغطي فاه وهو يصلي جبذ الثوب عن فيه جبذا شديدا حتى ينزعه عن فيه، فتغطية الأنف والفم في الصلاة مكروه. وأصل الكراهية فيه أنهم كانوا يلثمون ويصلون على تلك الحال فنهوا عن ذلك. روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال: «لا يضعن أحدكم ثوبه على أنفه وهو في الصلاة فإن ذلك خطم الشيطان» فرأى مالك رَحِمَهُ اللَّهُ تغطية اللحية مكروها كتغطية الفم والأنف لقرب ما بينهما. وقال ابن الجهم: إنه كره تغطية الأنف في الصلاة ليباشر الأرض بأنفه عند سجوده كما يباشرها بجبهته، وليس ذلك بتعليل صحيح، لما جاء من النهي عن تغطية الفم في الصلاة وهو مما لا يباشر الأرض، وبالله التوفيق.

.مسألة رفع اليدين في الدعاء:

في رفع اليدين في الدعاء وسئل مالك عن رفع اليدين في الدعاء، فقال: ما يعجبني ذلك. فقيل له: فرفع اليدين في الصلاة عند التكبير؟ فقال: لقد ذكر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يفعل ذلك إذا كبر وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا ركع، وما هو بالأمر العام، كأنه لم يره من العمل المعمول به، فقيل له: فالإشارة بالأصبع في الصلاة؟ فقال: ذلك حسن. ثم قال على إثر ذلك حجة لتضعيف رفع اليدين في الصلاة أنه قد كان في أول الإسلام أنه من رقد قبل أن يطعم لم يطعم من الليل شيئا، فأنزل لله تبارك وتعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] فأكلوا بعد ذلك.
قال محمد بن رشد: كره مالك رفع اليدين في الدعاء، فظاهره خلاف لما في المدونة، لأنه أجاز فيها رفع اليدين في الدعاء في مواضع الدعاء كالاستسقاء وعرفة والمشعر الحرام والمقامين عند الجمرتين على ما في كتاب الصلاة الأول منها، خلاف لما في الحج الأول من أنه لا يرفع يديه في المقامين وعند الجمرتين. ويحتمل أن تتأول هذه الرواية على أنه أراد الدعاء في غير مواطن الدعاء فلا يكون ذلك خلافا لما في المدونة، وهو الأولى، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم شك في طوافه. وأما رفع اليدين عند الإحرام في الصلاة فالمشهور عن مالك أن اليدين ترفع في ذلك، وقد وقع في الحج الأول من المدونة في بعض الروايات أن رفع اليدين في ذلك عنده ضعيف.
ووقع له في سماع أبي زيد من كتاب الصلاة إنكار الرفع في ذلك، وإلى هذا ينحو قوله في هذه الرواية، لأنه احتج فيها بما دل أن الرفع أمر قد ترك ونسخ العمل به كما نسخ تحريم الأكل في رمضان بالليل بعد النوم.
والصحيح في المذهب إيجاب الرفع في ذلك بالسنة، فهو الذي تواترت به الآثار، وأخذ به جماعة فقهاء الأمصار. وروى ابن وهب وعلي، واللفظ لعلي، أنه سئل عن المرأة أعليها رفع يديها إذا افتتحت الصلاة مثل الرجل، فقال: ما بلغني أن ذلك عليها وأراه يجزئها أن ترفع أدنى من الرجل. وأما رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه فمرة كرهه مالك، وهو مذهبه في المدونة ودليل هذه الرواية وما وقع في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من كتاب الصلاة وحكاية فعل مالك ذلك؛ ومرة استحسنه ورأى تركه واسعا، وهو قول مالك في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب، وروى مثله عنه محمد بن يحيى السمائي؛ ومرة قال: إنه يرفع ولم يذكر في ترك ذلك سعة، وهو قوله في رواية ابن وهب عنه؛ ومرة خير بين الأمرين. والأظهر ترك الرفع في ذلك، لأن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر كانا لا يرفعان أيديهما في ذلك وهما رويا الرفع عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في ذلك، فلم يكونا ليتركا بعد النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ ما رويا عنه إلا وقد قامت الحجة عندهما بتركه. وقد روي أيضا عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ الرفع عند القيام من الجلسة الوسطى وعند السجود والرفع منه، وذهب إلى ذلك بعض العلماء، ولم يأخذ مالك بذلك ولا اختلف فيه قوله، وبالله التوفيق.

.مسألة ما ينسب من القول إلى الشيطان:

فيما ينسب من القول إلى الشيطان وسمعت يذكر ليس من أحاديث الفقه أنه يقال: قال الشيطان: لن ينجو مني ابن آدم أن يكسب مالا من غير حقه أو يضعه في غير حقه أو يمنعه من حق.
قال محمد بن رشد: لما كان لا يخلص أحد من هذه الثلاثة الأشياء التي يغوي فيها الشيطان ويبوء بما يتم له من أمله بطاعة الناس له فيها، جاز أن يقال على ضرب من المجاز إنه قال ذلك القول وإن لم يصح بأثر ثابت عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قاله، لأنه يعلم أنه يقول ذلك في نفسه ويعتقده، فقد يقال فيمن يعلم من أخلاقه الرغبة وقلة الإسعاف وترك المسامحة تألى فلان بأن لا يسامح أحدا في شيء من ماله، أي أنه بمنزلة من حلف على ذلك وإن كان لم يحلف عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة ما بناه أبو الدرداء بحمص:

فيما بناه أبو الدرداء بحمص وقال في حديث أبي الدرداء حين بنى بحمص جناحا إنه أخرجه منها، قال: أخرجه عمر إلى دمشق أدبا له. قال مالك: والذي أحدث أبو الدرداء إنما أحدث جناحا فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال: أما كان لك فيما بنت الروم وفارس ما يكفيك؟.
قال محمد بن رشد: عاتبه عمر لما بنى ما لم تكن له به حاجة إليه. وقد مضى هذا المعنى في رسم شك قبل هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة سيرة عمر رضي الله عنه في سيره في أسفاره:

في سيرة عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في سيره في أسفاره قال: وسمعت مالكا يذكر أن عمر بن الخطاب كان إذا سافر والأرض مكلية لم يمر بالمناهل كراهية أن يعلف، قال: يرعى في الكل ولا يشتري من المناهل.
قال محمد بن رشد: هذا من فعل عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نظر صحيح، لأنه يحوط بذلك ماله ويحسن إلى إبله، لأن الرعي في الكل أحب إليها من العلف، وقد «أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ينزل الدواب في السفر منازلها» لترعى الكلأ وأمر أن ينجى عليها بنقيها إذا كانت الأرض مجدبة، وبالله التوفيق.

.مسألة الذي يرى الدم في ثوبه في الصلاة:

في الذي يرى الدم في ثوبه في الصلاة وسئل مالك عن الرجل يصلي فيرى في ثوبه الدم القليل الذي ليس مثله تفسد الصلاة به أن لو فرغ منها، أترى أن ينزع ثوبه في الصلاة أم يصلي كما هو؟ قال: بل أرى أن يصلي كما هو، وأرجو أن يكون خفيفا، وذلك حديث القاسم حين نزع قميصه يوم الجمعة والإمام يخطب لدم رأى فيه، ولم يحد لذلك الدم الذي نزع القاسم بن محمد قميصه منه حدا.
قال محمد بن رشد: إنما رأى أن يصلي بالثوب الذي رأى به الدم اليسير وهو في الصلاة ولا ينزعه لما في ذلك من الاشتغال بذلك في صلاته، وإن كان الاختيار أن يغسل اليسير من الدم ولا يصلي به. وإنما يختلف إذا رأى في ثوبه وهو في الصلاة دما كثيرا أو نجاسة فقيل: إنه يقطع وإن كان إماما استخلف، وهو المشهور في المذهب؛ وقيل إنه يختلعه إذا كان عليه ثوب غيره ويتمادى على صلاته كما فعل النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في النعل التي أعلم في الصلاة أن فيها نجاسة.
قال ذلك ابن القصار، وقد قاله ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية من كتاب الصلاة في الذي يقطر عليه نجس وهو في الصلاة، ولا فرق بين المسألتين في القياس، لأنه قد حصل حامل نجاسة في صلاته، وإن فرق بين المسألتين يحصل في المسألة ثلاثة أقوال: القطع، والخلع، والفرق بين أن يعلم في الصلاة أن في ثوبه نجاسة أو تقطر عليه النجاسة وهو فيها.
ولا اختلاف فيما أعلم فيمن علم أن في ثوبه نجاسة والإمام يخطب أنه يخلع ثوبه إن كان عليه ثوب غيره كما فعل القاسم بن محمد. وقد اختلف في قدر الدرهم من الدم فروى علي بن زياد عن مالك أنه يسير، وقال ابن حبيب إنه كثير، وبالله التوفيق.

.مسألة أرباب العلم هم الذين يعملون بما علموا:

في أن أرباب العلم هم الذين يعملون بما علموا قال: وسمعته يذكر أن عبد الله بن سلام قال لكعب الأحبار: من أرباب العلم؟ قال الذين يعملون بعلمهم. قال: فما نفاه من قلوبهم؟ قال: الطمع.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح، لأن من لم يعمل بعلمه لم ينتفع به وكان حجة عليه، فليس من أهله على الحقيقة، إذ هو دون مرتبة الجاهل. وقوله: فما نفاه من قلوبهم، معناه ما نفى انتفاعهم به من قلوبهم بترك استعمالهم، إذ لا ينتفي العلم عن قلوبهم بالطمع، وإنما ينتفي به استعماله، وبالله التوفيق.

.مسألة كراهة القناع لغير حر أو برد:

في كراهة القناع لغير حر أو برد قال مالك: بلغني أن سكينة ابنة حسين أو فاطمة بنت حسين رأت بعض ولدها مقنعا رأسه فقالت له: اكشف عن رأسك، فإن القناع ريبة بالليل مذلة بالنهار. وقال مالك: وأما من تقنع من حر أو برد فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لأنه إذا تقنع بالليل استراب منه من لقيه مخافة أن يكون تقنع لسوء يريد أن يفعله من اغتيال أو شبه ذلك، وإذا تقنع بالنهار لم يكرمه من لقيه ولا وفاه حقه ولا عرف منزلته واضطره إلى أضيق الطرق وذلك إخلال به.

.مسألة عمرو بن العاص أسن من عمر بن الخطاب:

في أن عمرو بن العاص أسن من عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. قال: وسمعت مالكا يذكر أن عمرو بن العاص قال: إني لا أعرف الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب، ولقد جئتهم تلك الليلة بسراج أوقدته لأهله وهو يقول ولد للخطاب غلام.
قال محمد بن رشد: ليس في هذا أكثر من المعرفة بأن عمرو بن العاص أسن من عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وبالله التوفيق.

.مسألة صاع النبي ومده عليه السلام:

في صاع النبي ومده عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: وسألت مالكا عن صاعه ومده الذي يعطيه الناس أهو صاع النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ قال: كذلك يقول.
قال محمد بن رشد: في هذه المحافظة على صاع النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ ومده لما يلزم من معرفة نصاب الزكاة وقدر الكفارات وزكاة الفطر، فالمد زنته رطل وثلث، قيل بالماء وقيل بالوسط من القمح؛ والصاع أربعة أمداد؛ والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية بوزن زماننا الذي هو دخل أربعين ومائة في مائة كيلا خمسة عشر درهما وثلاثة أجزاء من أحد عشر جزءا في الدرهم، وذلك أن الأوقية من الوزن القديم الذي هو دخل مائة وعشرة في مائة كيلا اثنا عشر درهما، وبالله التوفيق.

.مسألة التكبير عند رمي الجمار:

في التكبير عند رمي الجمار وسئل مالك عن التكبير عند رمي الجمرتين الأوليين، قال: نعم، فقيل له أيرفع صوته؟ قال: نعم، ويكبر عند الجمار كلها، وعند الصفا والمروة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا- في المدونة أنه يكبر عند رمي الجمار، قال فيها مع رمي كل حصاة تكبيرة. وكذلك كان يفعل عبد الله بن عمر. ذكر مالك في موطئه عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يكبر عند رمي الجمرة كلما رمى بحصاة. وإنما قال إنه يرفع صوته بالتكبير، لأن رفع الصوت بالتكبير والتلبية في الحج من شعار الحج. وقد كان عمر بن الخطاب يكبر في أيام منى إذا ارتفع النهار ستا وبعد ذلك وإذا زاغت الشمس، فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت، فيعرف أن عمر قد خرج. وقوله: إنه يكبر على الصفا والمروة هو مثل ما قاله في المدونة من أنه استحب للحاج أن يقطع التلبية إذا أخذ الطواف بالبيت حتى يفرغ من السعي بين الصفا والمروة، ثم يعود إلى التلبية حتى يعود من منى إلى عرفة، وبالله التوفيق.

.مسألة ركوب البحر:

في ركوب البحر وقال مالك في حديث عمرو بن العاص حين أشار على عمر بن الخطاب في ركوب البحر قال: دود على عود، إن ضاعوا غرقوا، وإن بقوا فرقوا.
قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذا في أول رسم من هذا السماع فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة السجود في المفصل:

في السجود في المفصل قال: وحدثني ابن القاسم عن مالك بن أنس أن عمر بن عبد العزيز أمر محمد بن قيس القاضي أن يخرج إلى الناس فيأمرهم أن يسجدوا في: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] قال ابن القاسم: سألت مالكا عنه فلم ير العمل به، وهو رأي لا في النافلة ولا غيرها.
قال محمد بن رشد: عزائم سجود القرآن عند مالك إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء، فالتي ليست من العزائم عنده آخر الحج، وسجدة والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك. وإنما لم يرها من العزائم لما جاء فيها من الاختلاف، فقد روي أنه ليس في الحج إلا سجدة واحدة، وأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة. وذهب ابن وهب إلى أنها كلها من العزائم، وروي ذلك عن مالك، وهو اختيار ابن حبيب. وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: عزائم السجود أربعة: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك. وقال بعض العلماء الذي يوجبه النظر أن يسجد من ذلك فيما جاء على سبيل الخبر ولا يسجد من ذلك فيما جاء على سبيل الأمر، لأن ما جاء منها على سبيل الأمر يحمل على السجود الواجب في الصلاة المفروضة. وعلى هذا يأتي مذهب مالك إذا اعتبرته، لأن جميع ما لم ير فيه السجود جاء على سبيل الأمر، وجميع ما رأى فيه السجود جاء على سبيل الخبر.
فإن قيل: سجدة إذا السماء انشقت جاءت على سبيل الخبر ولا يسجد فيها عنده.
قيل له الوعيد المذكور فيها يقوم مقام الأمر. فإن قيل سجدة حم السجدة على سبيل الأمر ويسجد فيها عنده. قيل له: المعنى فيها الإخبار عن فعل الكفار الذين لا يسجدون لله ويسجدون للشمس والقمر، والنهي عن التشبه بهم في ذلك، لأن الأمر لمجرد السجود لله فيحمل على سجود الصلاة، ويدل على ذلك قوله في آخر الآية: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] لأن المعنى في ذلك فإن استكبر الكفار عن السجود لله، فالذين عنده لا يستكبرون عن ذلك. وقد اختار بعض العلماء السجود عند قوله: وهم لا يسئمون ليكون عند ذكر الإخبار على الأصل الذي ذكرناه.

.مسألة الصلاة في الثوب الواحد:

في الصلاة في الثوب الواحد قال: وحدثني عن ابن القاسم عن مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر أن في كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر مالك في موطئه عن هشام بن عروة عن أبيه «عن عمر بن أبي سلمة أنه رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في ثوب واحد مشتملا به في بيت أم سلمة واضعا طرفيه على عاتقيه» يريد مخالفا بينهما: طرف ثوبه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرف ثوبه الأيسر على عاتقه الأيمن، فإن كان الثوب قصيرا اتزر به على ما ذكره مالك في موطئه أنه بلغه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من لم يجد ثوبين فليصل في ثوب أحد ملتحفا فإن كان الثوب قصيرا فليتزر به» وبالله التوفيق.

.مسألة السلام على النبي عليه السلام:

في السلام على النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وسئل مالك عن السلام على النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ فقال: إذا دخل وخرج وفيما بين ذلك، يريد في الأيام.
قال محمد بن رشد: قوله إذا دخل وخرج معناه إذا دخل في مسجد النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وإذا خرج منه، لأن المعنى فيما سئل عنه مالك من كيفية السلام على النبي- عليه السلام إنما هو كيف يسلم عليه من زاره للسلام عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة من قال هلك الناس فهو أهلكهم:

فيما جاء من أن من قال هلك الناس فهو أهلكهم قال مالك في تفسير حديث النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم» قال فهو أقساهم وهو أرداهم.
قال محمد بن رشد: تفسير مالك للحديث صحيح، ومعناه عند أهل العلم جميعا إذا قال ذلك احتقارا لمن في زمنه وإزراء عليهم بنفسه. وأما إذا قال ذلك تحزنا على فقد الخيار من الناس وخوفا على من بقي منهم لقلة الخير فيهم فليس ممن عني بالحديث. وروي عن أبي الدرداء أنه قال: لن يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس كلهم في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا.

.مسألة قسمة قريظة والنضير:

في قسمة قريظة والنضير قال مالك: قسمت قريظة بالسهمان، فأما النضير فإنها صافية لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقسمها بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار: سهل بن حنيف، وسماك بن خرشة، والحارث بن الصمة. قال: وسمعت مالكا يقول: «قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسعد بن معاذ حين حكم على بني قريظة: لقد حكمت فيهم بحكم الله».
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في قريظة والنضير في رسم نذر سنة فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة أول من جعل قاضيا بالمدينة:

في أن عمر بن عبد العزيز أول من جعل قاضيا بالمدينة قال: وسمعت مالكا قال: أول قاض كان بالمدينة إنما جعله عمر بن عبد العزيز، ولم يكن بها قبل ذلك قاض.
قال محمد بن رشد: يريد أن الخلفاء وأمراءهم فيها كانوا هم الذين يقضون بين الناس، وبالله التوفيق.

.مسألة الجمع بين الصلاتين في السفر:

في الجمع بين الصلاتين في السفر. وسئل مالك عن القوم في السفر يرتحل بهم بعد الزوال، أترى أن يجمعوا الصلاتين الظهر والعصر؟ قال: لا أرى ذلك لهم، وكره أن يجمعوا تلك الساعة. قال ابن القاسم: قد قال قبل ذلك لا بأس به إذا عجل السير به، وهو رأيي، وذكره عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ. قال ابن القاسم: وأحب ما فيه إلي، وذلك الذي سمعت من مالك أن يجمع المسافر في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، وإن جمع بعد الزوال أجزأ ذلك عنه، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد فعله.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يرتحل بعد الزوال من المنهل إنه لا يجمع تلك الساعة وكرهه، يريد وإن جد به السير، بدليل قوله: وقد قال قبل لا بأس به إذا عجل به السير. والمشهور المعلوم أن ذلك جائز وإن لم يجد به السير، فهي ثلاثة أقوال. وأما جمع المسافر في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر فذلك جائز إن جد به السير، وقيل: إن ذلك جائز له وإن لم يجد به السير.

.مسألة تفسير قول الله عز وجل إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس:

في تفسير قول الله عز وجل: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ} [المجادلة: 11]:
قال مالك في هذه الآية: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} [المجادلة: 11] قيل له: أهي هذه المجالس؟ قال: نعم، ومجلس النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
قال محمد بن رشد: قد قيل في تأويل الآية إنها في القتال، كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكون مستقبل العدو، فكانوا يرجون الشهادة فكان يجيء الرجل يرجو الشهادة فيقول: افسحوا فلا يوسعون له ويرجون مثل الذي يرجو، فأنزل الله عز وجل الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} [المجادلة: 11]، يقول: إذا قيل انهضوا لقتال عدوكم فانهضوا، يبين هذا قوله عز وجل: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121] والمقاعد هي المجالس، وهذا تفسير الحسن. وقال غيره المراد بالمجلس في قوله عز وجل: {تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ} [المجادلة: 11] مجلس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا} [المجادلة: 11] معناه وإذا قيل ارتفعوا إلى الصلاة أو إلى ما سواها من الخير فانشزوا أي فارتفعوا. والذي ذهب إله مالك في هذه الرواية من أن المراد بالمجلس في الآية مجلس النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وسائر مجالس الخير والذكر أولى، لأن الألف واللام في قوله في المجلس قد تكون للعهد، وهو أن يكون جرى في مجلس النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من ترك التوسع فيه لمن جاء إليه سببا نزلت الآية من أجله، وقد تكون لاستغراق الجنس فإذا لم يثبت السبب وجب أن يحمل على استغراق الجنس، ولو ثبت السبب لوجب أن تحمل الآية على استغراق الجنس لوجود معنى السبب في غير مجالس النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو يقع على من يريد من المجلس مثل ما أراد أهله منه بالتوسيع له فيه. وقد تشرع الشرائع لمعان فتبقى الشرائع مع ارتفاع المعاني، من ذلك زكاة الفطر، وغسل الجمعة، والرمل في الطواف فكيف بما كان المعنى موجودا فيه؛ فلا اختلاف في وجوب التوسع في مجالس الخير والذكر إلى يوم القيامة، وإنما يرجع الاختلاف إلى هل وجب ذلك بتناول لفظ الآية له أو بالقياس على ما يتناول لفظها، وبالله التوفيق.

.مسألة تحدث المشركون في يوم أحد من أن النبي عليه السلام قتل:

فيما تحدث المشركون في يوم أحد من أن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قتل وقال في حديث أبي سفيان لعمر بن الخطاب يوم أحد: ناشدتك الله أقتل محمد؟ قال لا، قال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة. قال ابن القاسم: فاختلف الناس فيما نال عَلَيْهِ السَّلَامُ في كسر رباعيته وما أصيب به في وجهه، فقال بعض الناس: أصابه بذلك عتبة ابن أبي وقاص، وقال بعضهم: أصابه ابن قميئة.
قال محمد بن رشد: لما غزا كفار قريش النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ بالمدينة، وقد استمدوا بحلفائهم والأحابيش من بني كنانة، وخرجوا بنسائهم لئلا يفروا عنهن ونزلوا قرب أحد على شفير الوادي مقابل المدينة، رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه أن في سيفه ثلمة وأن بقرا له تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأولها أن نفرا من أصحابه يقتلون، وأن رجلا من أهل بيته يصاب، وأن الدرع الحصينة المدينة، فأشار على أصحابه ألا يخرجوا إليهم وأن يتحصنوا بالمدينة، فإن قربوا منها قوتلوا على أفواه الأزقة، ووافق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول، وأبى أكثر الأنصار إلا الخروج إليهم ليكرم الله من شاء منهم بالشهادة. فلما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عزيمتهم دخل بيته فلبس لامته وخرج، فندم قوم ممن كان ألح على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخروج وقالوا: يا رسول الله إن شئت فارجع، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما كان لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل» فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نزل الشعب من أحد، فجعل ظهره إلى أحد ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، وتهيأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للقتال وهو في سبعمائة والمشركون في ثلاثة آلاف منهم مائتا فارس. فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الرماة عبد الله بن جبير ورتبهم خلف الجيش وأمره أن ينضح المشركين لئلا يأتوا من ورائهم. وظاهر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ بين درعين وقاتل الناس قتالا شديدا ببصائر ثابتة، فانهزم المشركون واستمرت الهزيمة عليهم، فلما رأى ذلك الرماة قالوا: قد هزم أعداء الله فما لقعودنا هاهنا معنى، فذكر أميرهم عبد الله بن جبير أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إياهم أن لا يزولوا، فلم يلتفتوا إلى قوله وقاموا ثم كر المشركون فتولى المسلمون وثبت من أكرمه الله بالشهادة، ووصل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقاتل دونه مصعب بن عمير حتى قتل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجرح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة رأسه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجازاه عن أمته أفضل ما جزى به نبيا من أنبيائه عن صبره. وكان الذي تولى منه ذلك عمرو بن قميئة، وعتبة بن أبي وقاص. وقد قيل إن عبد الله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم ابن شهاب هو الذي شج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جبهته، وأكتب الحجارة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى سقط في حفرة. وكان أبو عامر الراهب قد حفرها مكيدة للمسلمين، فخر عَلَيْهِ السَّلَامُ على جنبه، فأخذ علي بيده واحتضنه طلحة حتى قام، فتحدث المشركون أنه قتل، وزعم ذلك عمرو بن قميئة، ولذلك سأل أبو سفيان عمر بن الخطاب عن ذلك على ما جاء في هذه الرواية، وبالله التوفيق.